أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
450
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ولاية المال ، إذا كان يعظم من أجله أو النسب إذا كان خاليا عن التقوى أو العلم إذا كان خاليا عن العمل وغير ذلك من رياسة الدنيا ، فإنها تفنى وتنقطع ، ويعقبها ذل وفقر ، والولاية التي تدوم هي الولاية التي تأتي من جهة الجمع ، وهي العز باللّه ، والغنى به ، والمعرفة له ، والغيبة عما سواه ، فلا شك أن هذه ولاية لا تنقطع ، وشرف لا ينفذ ، وعز لا يبيد . يحكى أن سيدي عبد اللّه بن المبارك وكان من تابعي التابعين ، ومن العلماء العاملين الزاهدين قدم على هارون الرشيد ، فلما دخل العسكر انكب عليه العسكر لزيارته ، فوقع من الازدحام ضجة كبيرة حتى تقطعت النعال ، وارتفعت الغبرة ، فأشرفت أم ولد هارون من قصر الخشب ، فلما رأت كثرة الناس وازدحامهم قالت : ما هذا ؟ قالوا لها : هذا عالم خراسان ، فقالت : هذا واللّه هو الملك والعز ، لا ملك هارون الذي يجمع الناس بالسوط والعصا . وأيضا الولاية التي تدوم تنسحب عليه وعلى ذريته ، ثم تدوم فيهم على قدر جاهه عند اللّه ، وعظيم ولايته ، فكل من عظمت ولايته دامت على أولاده وأتباعه بقدر تلك الولاية ، وهو معنى قوله تعالى على بعض التفاسير : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ [ النساء : 9 ] الآية : أي وليخش الذين خافوا على أولادهم فإن اللّه يحفظه فيهم ، وقيل في قوله تعالى : وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً [ الكهف : 82 ] ، إنه كان جدهم السابع ، فحفظ اللّه كنز اليتامى ببركة صلاح الجد ، واللّه تعالى أعلم . وأما إن توليت الولاية التي لا تدوم فكن فيها على حذر ، ولا تغتر بحلاوة بدايتها ، فإن نهايتها مرارة ، كما أبان ذلك بقوله : 228 - إن رغّبتك البدايات ، زهّدتك النهايات . قلت : الولاية التي لا تدوم كعز بمال أو جاه أو عشيرة أو غير ذلك من عز الدنيا أولها : حلو لمتعة النفس ووجود حظها فيها ، وآخرها مر لفقد تلك الولاية ولو بالموت ، ولما يعقبه من الذل والهوان ، ولذلك قال عليه السلام : « نعمت المرضعة وبئست الفاطمة « 1 » » ، فإن رغبتك في هذه الولاية التي تفنى حلاوة بدايتها زهدتك فيها مرارة نهايتها فإن غرتك بظاهر بهجتها ، فاعتبر
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2613 ) ، وابن حبان ( 10 / 334 ) .